الثلاثاء 04 صفر / 22 سبتمبر 2020
04:27 ص بتوقيت الدوحة

عن «الحياد» في الأزمات

75
عن «الحياد» في الأزمات
عن «الحياد» في الأزمات
يعيش العالم اليوم تحت وقع أزمات مركبة في المنظومة الأخلاقية، ولا أخفيكم القول أنه يمتلكني شعور بالاشمئزاز عندما أرى أحدهم يدعو إلى الموضوعية والحياد والنزاهة وادّعاء «المهنية» عندما تكون هناك قضية أخلاقية مفصلية أو مصيرية بين ظالم ومظلوم، أو بين ضحية وجلّاد، مع تناسي أن «ألف باء الإنسانية» يحتّم على «ابن آدم» البالغ العاقل الراشد أن يميل إلى الجانب الصحيح ويتخذ موقفاً دون أدنى تردّد.
لا أريد هنا الدخول بعمق في الجدل الفلسفي الكلاسيكي حول «طبيعة الإنسان» فيما إذا هي أخلاقية بفطرتها أم أنها مكتسبة؛ فهذا الجدل -كما تعلمون- ممتد منذ فلاسفة الإغريق حتى وقتنا الراهن، وانقسم إلى ثلاثة تيارات: أولهما يرى أن الإنسان كائن أخلاقي بطبعه؛ كما رأى الفيلسوف اليوناني أرسطو والفرنسي جان جاك روسو، وثانيهما أن البشر يولدون في حالة حياد تام وأنهم يكتسبون الأخلاق والقيم من القانون والدولة؛ وهذا رأي أفلاطون ومن سار على دربه، وثالثهما يرى أن المسألة الأخلاقية تقع ضمن اختيارات الإنسان النفعية ورغبته في تحقيق اللذة، وأن الأخلاق تتحقق عندما تتسق الإرادة الفردية الجزئية مع الإرادة الكلية المجتمعية، وهذا الاتجاه يمثّله من الفلاسفة الاقتصادي البريطاني جون ستيوارت ميل رائد المدرسة النفعية.
ما يهمنا نقطة «الحياد» في الأزمات الأخلاقية والإنسانية، والتي يُجمع عليها معظم الفلاسفة بأنها ليست خياراً شخصياً، معتبرين الحياد هنا شبيهاً تماماً للمشاركة في تكوينها. ولنقرّب الصورة أكثر، فإن ما يقوم به أحدنا سواء باستنكاره أم شعوره بالفخر أو الغضب أو الفرح أو الحزن، وتقاسمه الشعور والموقف مع أبناء مجتمعه هو في الحقيقة واجب اجتماعي، وهو أضعف الإيمان بالنسبة لكل فرد، وأفضل طريقة يُرضي بها الإنسان غرور انتمائه وولائه وهويته الوطنية أمام المسؤولية الاجتماعية التي يُفترض أنها تحتّم على الشخص في معظم الأحيان أن لا يقف متفرجاً ومكتوف الأيادي تجاه القضايا المصيرية «وليس الشخصية» والأزمات الأخلاقية وتلك التي تتعلق بالمبادئ والقيم العامة.
هنا، وهنا فقط لا بدّ أن يقف الإنسان «السوي» أمام فطرته التي خلقه الله عليها، وأن يختار أحد الفريقين إذا ما خُيّر أمام قضية أخلاقية أو دينية أو وطنية وذات نفع عام ومصلحة إنسانية. وعندما تكون هذه القضايا مستهدفة سيكون الحياد «خيانة» والصمت «تواطئاً وتخاذلاً».
إنّ الحياد في الأزمات الأخلاقية ليس خياراً شخصياً، فالأمر هنا شبيه تماماً بالمشاركة في تكوينها، سواء بالصمت الغارق في نشوة الأنا؛ بعيداً عن الواقع، وقفزاً فوقه وانسحاباً من الحياة بشكل مُخزٍ، لصالح اللامبالاة! «فأَحلكُ الأماكن في الجحيم هي لأولئك الذين يحافظون على حيادهم في الأزمات الأخلاقية»، كما قال دان براون في روايته «الجحيم»، والتي اختار رائعة دانتي «الكوميديا الإلهية» مساراً لها ومُحرّكاً لمجرياتها. وكم كان مارتن لوثر كنغ محقاً عندما قال: «إن أسوأ مكان في الجحيم محجوز لهؤلاء الذين يقفون على الحياد في أوقات المعارك الأخلاقية العظيمة، وأن المصيبة ليست في ظلم الأشرار وإنما في صمت وحياد الأخيار». وقد أصاب أينشتاين بقوله: «لا شكّ أن الأشرار في العالم يشكّلون خطراً، إلا أن الخطر الأعظم يكمن في الأخيار الذين يقفون محايدين حيال ذلك الشر». وصدق من قال «الساكت عن الحق شيطان أخرس»، وويل لمن يقف ضده بحجة الحيادية!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا