الثلاثاء 04 صفر / 22 سبتمبر 2020
08:07 م بتوقيت الدوحة

غير مُجدٍ الترويج لـ «التطبيع» في المسلسلات

119
غير مُجدٍ الترويج لـ «التطبيع» في المسلسلات
غير مُجدٍ الترويج لـ «التطبيع» في المسلسلات
سذاجة ما بعدها سذاجة كل اعتقادٍ، أيّاً يكن صاحبه، بأن في الإمكان ترويج «التطبيع» مع إسرائيل من خلال مسلسل أو مسلسلات رمضانية عديدة. لكن، سخافة ما بعدها سخافة كل اعتقادٍ، أيّاً يكن صاحبه، بأن رغبة هذا العربي أو ذاك في انفتاح على إسرائيل يمكن / أو يجب أن يمرّ بإهانة شعب فلسطيني لا يزال يعيش تحت الاحتلال الإسرائيلي. عندئذ تتحوّل السخافة إلى خذلان ونكوص، وهذان لا مبدئية فيهما، ولا عقيدة لهما، ولا دين. إنهما مجرد فرعين من «شعبوية» عربية ضحلة.
اشتعل الجدل بمناسبة عرض مسلسلي «أم هارون» و»مخرج 7»، وتنافست الاجتهادات لرصد ما في طيّات حلقاتهما الأولى من «دعوات» تطبيعية مبثوثة في قالب كوميدي أو درامي. نعم، هناك المغزى من اختيار الموضوع (اليهود في الخليج) أو التطرّق إليه كملمح من النقاش العام، وهناك أيضاً أفكارٌ ومقاطع وحوارات، وكلّها يمكن أن تُقرأ وتُفهم بأنها ترمي إلى حقن المسألة التطبيعية في الأذهان. وفي العادة عندما تكون الغاية مكشوفة فإنها تبقى أبعد من أن تتحقق. سبق أن وقعت أفلام ومسلسلات مصرية في هذا الفخّ، في حقبة ما بعد التطبيع الرسمي، فاندثرت ولم يبق منها أثر. وسبق أن دُعي كتاب وإعلاميون عرب إلى إسرائيل فتباروا في الإعجاب بما سمعوا ورأوا، كما في تجاهل «الوجه الآخر للعدو» الذي لا يقلّ عن احتلال أرض وشعب، وهؤلاء أيضاً لم يبقَ منهم أثر، والأكيد أن إسرائيل نفسها لا تعتبرهم رواداً للتطبيع المجتمعي والشعبي.
في أي حال، ليس مستغرباً ولا ممنوعاً أن تتطرّق مسلسلات خليجية إلى وجود اليهود في المنطقة، إذ كانوا تاريخياً جزءاً من شعوبها، مثل المسيحيين، بل المهم أن يكون التناول جاداً وموضوعياً. وليس مستغرباً أو ممنوعاً أن ترِد إسرائيل في الحوارات، طالما أنها حاضرة في النقاش السياسي، لكن المستهجن أن يقتطف عمل فني أسوأ ما تلهج به مواقع التواصل الاجتماعي من أحكام أو آراء يذهب أصحابها إلى المفاضلة بين إسرائيل والفلسطينيين، وقد حسموا سلفاً أنها لمصلحة إسرائيل. هناك طبعاً إسقاطات على الواقع السياسي الراهن، فالصراع مع إيران يحتّم الحاجة إلى إسرائيل، لكن هل يحتّم الذهاب إلى حدّ احتقار قضية الشعب الفلسطيني وحقوقه؟ إسرائيل لا تقدّم شيئاً مجانياً، لذا اقتضى إرضاؤها بإنكار ما تعنيه فلسطين تاريخياً وإنسانياً لكل عربي أينما وُجد.
تتفادى المسلسلات، الخليجية تحديداً، الخوض في السياسة، وبخاصة في الصراع مع إيران، رغم أن بيئتها الاجتماعية متأثّرة به بشكل أو بآخر. وإذ تبدو مقاربة الموضوع من الزاوية الإسرائيلية متاحة وسهلة، إلا أنها غير موفّقة ولا متناسبة، فلا شيء يبرر التهجّم على الفلسطينيين كشعب وقضية. وحتى الترويج للتطبيع يبدو هنا تلبية لرغبة سلطوية لا انعكاساً لرأي عام لم يلمس بعد أي مصلحة تحققت من التقارب مع إسرائيل. كان بنيامين نتنياهو -ولا يزال- يتحدّث تلميحاً وتصريحاً عن تطبيع متقدّم مع دولٍ في الخليج، وعدا المناسبات التي ظهر فيها بعض وزرائه علناً في بعض العواصم، فإن أجهزته تسرّب بانتظام معلومات عن لقاءات واتصالات سرّية. ولا داعي للسرّية إذا كانت هناك «مصلحة وطنية» واضحة يمكن الدفاع عنها، لكن ما يصعب الدفاع عنه هو أن يتحوّل التطبيع مقابل السلام تطبيعاً مقابل دوام الاحتلال، كما تريده إسرائيل.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.