الثلاثاء 01 رجب / 25 فبراير 2020
04:14 م بتوقيت الدوحة

نظرة على عام مضى.. ثورات مجهضة (1-2)

46
نظرة على عام مضى.. ثورات مجهضة    (1-2)
نظرة على عام مضى.. ثورات مجهضة (1-2)
قليلة هي السنوات التي يمكن أن نتوقف عندها بالرصد والتحليل وقراءة أحداثها بعناية وتدبر، ومنها 2019، فهي ليست كغيرها، فقد شهدت الموجة الثانية لثورات الربيع، لا تختلف سوى في التفاصيل وبعض الوقائع والأماكن عن سنة 2011، الأولى مثّلت زلزالاً حقيقياً هزّ النظم العربية التي عاشت تنشد استقراراً وهمياً، حيث استفاقت على محطة الربيع العربي في تونس ومصر واليمن وسوريا وليبيا، فإذا بالموجة الثانية من ثورات الربيع العربي في السودان والجزائر ولبنان والعراق، في عام 2011 كانت المفاجأة مذهلة وسرعة التغيير غير متوقعة، في تونس تم هروب زين العابدين بن علي، ولم يصدّق الآخرون، فقالها مبارك: «مصر ليست تونس» فتم خلعه بعدها بأكثر من أسبوعين، وانشغل القذافي بأوهام حكم الجماهير، فإذا بها تنتفض ضده من بنغازي، فيجرب أقصى درجات العنف في مواجهة الجماهير المنتفضة، ويتساءل باستغراب: «من أنتم»؟ دون أن يدري أن هناك جيلاً جديداً يسعى إلى الحرية والكرامة، وحتى اليمنيين لم تنطلِ عليهم مقولة علي عبدالله صالح الشهيرة: «تصفير العداد»، في إشارة إلى أنه لن يرشح نفسه لدورة جديدة، وهو يجهز ابنه أحمد للخلافة، فإذا بالجماهير في ميدان التحرير تهتف «الشعب يريد إسقاط النظام».. أما بشار سوريا فهو حكاية أخرى، بعد أن نجح في تقزيم سوريا، من دولة ذات حضارة وتاريخ وشعب له إسهاماته الإنسانية إلى حزب، وقزّم الدولة إلى طائفة، ومن ثم إلى أسرة، واستخدم شعار شمشون الشهير: «عليّ وعلى أعدائي»، فبقي يحكم بقايا دولة وحطام شعب.. واكتفى بأنه ما زال في قصره الرئاسي.
وشهدت السنوات التسع الماضية صراعاً شرساً بين قوى الثورة في العديد من الدول العربية، خاصة تلك التي وصلها قطار الربيع العربي، وبين قوى الثورة المضادة حيث تخشى على مصالحها، وتجد في الثورة والتغيير خطراً قد يطول أنظمتها، ونجحت تلك القوى في إجهاض معظم تلك التجارب بوسائل متعددة، وصلت إلى الدفع بدول الربيع العربي إلى الحرب الأهلية، وتحويل بعضها إلى حروب بالوكالة، وهناك ثلاثة نماذج لذلك، نحن نتحدث عن اليمن وليبيا وسوريا، في الأولى تم القبول بدور من خلف ستار لعلي عبدالله صالح وحزبه، وأخذت الأمور اتجاه الحوار الوطني بإشراف الأمم المتحدة، ولأن صالح لم ينسَ أبداً ثأره الشخصي، وجماعة الحوثي وجدتها فرصة لتحقيق مطالبها، فوجدا معاً من يشجعهما على اقتحام العاصمة صنعاء والاستيلاء عليها، وكان الهدف محدوداً جداً يجسّد قصر الرؤية الاستراتيجية، باعتبار أن هذا الإجراء سيدفع بالطرفين الأقوى في المعادلة، وهما جماعة الحوثي وحزب التجمع اليمني للإصلاح إلى المواجهة العسكرية، فتكون النتيجة الخلاص منهما معاً بعد استنفاذ قدراتهما العسكرية، وعندما فشل المخطط واستفرد الحوثي بالشمال وبدأ غزوه لمدن الجنوب، بدأت عاصفة الحزم في مارس 2014، وتحول الصراع إلى حرب وكانت النتيجة مأساوية، تراجع حلم الثوار من الشباب مع تراجع التنمية البشرية بمقدار عشرين عاماً، مع مصرع نحو 250 ألف شخص.
وفي ليبيا كانت الخطيئة الكبرى بالسماح لقوات «الناتو» بدعم الثوار، دون أن يكون لها أي تصور أو استراتيجية لليوم التالي بعد سقوط القذافي وقتله، وكأن أزمة ليبيا في شخصه، حتى وجدت قوى الثورة المضادة ضالتها في شخص خليفة حفتر، الذي لم ينجح في تحقيق هدف الثورة المضادة، وتحولت ليبيا إلى صورة من صراع إقليمي بغطاء دولي.
أما سوريا، فمن أجل الحفاظ على بشار سقط أكثر من 370 ألف شخص، وفق حصيلة أعلنها المرصد السوري لحقوق الإنسان، وأُجبر أكثر من نصف السكان على النزوح والتشرد داخل البلاد وخارجها، ونتج عن عمليات القصف دمار هائل في البنى التحتية، قدّرت الأمم المتحدة كلفته بنحو 400 مليار دولار، وصار البلد مستباحاً من قوى إقليمية ودولية.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.