الإثنين 21 صفر / 21 أكتوبر 2019
02:35 ص بتوقيت الدوحة

«القولبة» المطلقة تضليل وكسل!

32
«القولبة» المطلقة تضليل وكسل!
«القولبة» المطلقة تضليل وكسل!
«القولبة» أو التنميط، أي وضع الناس ضمن قوالب محددة، وتفسير سلوكهم، والتنبؤ به دوماً وفق تلك النمطية، دون دراسة الواقع ولا المعطيات ولا المتغيرات والظروف المتفاوتة، سواء كانت القولبة بناء على الجنسية، أو الجنس، أو العرق، أو التوجه الفكري العام.... إلخ، فهي من أسوء النتاجات الفكرية، وأكثرها رجعية، واعتبارها مرجعاً ومرشداً لكل الاستنتاجات أو أساساً لقراءة المشهد، أو الحكم على الأشخاص والكيانات تضليل للنفس والغير، وطمس للكثير من الحقائق.

لا يعني ذلك عدم وجود قوالب بالحياة أو أنماط وأعراف عامة، لكن يعني أنها لا تصلح دائماً لقراءة المشهد والحكم على الأفراد، أو تفسير السلوك الاجتماعي، السياسي، بل ينبغي دراسة الواقع والتأني، والأخذ بعين الاعتبار العوامل كافة.
القولبة الشديدة تُعمي الإنسان عن رؤية الكثير من الحق والخير في الحياة، وتجعل نظرته للحياة صفرية، سوداوية مطلقة أو العكس، فلا يرى الخير إلا في القالب الذي يعيش فيه، ويرى القوالب الأخرى بنظرة استصغار وانتقاص، وحين «يُصدم» النقص داخل قالبه قد ينقلب ويأخذ مواقف متطرفة ضد قالبه، ويحدث أن ينتابه شعور بالتيه.

التوازن والتوسط خير، ومن الضروري استحضار بعض البدهيات دائماً وإبقاؤها حاضرة، ومنها الإدراكات البسيطة بأن البشر من البيئة الواحدة، وحتى من البيت الواحد، يتمايزون في الأفكار والآراء والتصرفات، وكذلك داخل البيئة الأيديولوجية الواحدة، وإن تغذوا بالمفاهيم والأفكار ذاتها، وعاشوا الظروف ذاتها، فليس الجميع بالقدرة نفسها على هضم المضامين واستيعابها والالتزام بها.

لا ينبغي وضع الناس في قالب وإغلاق الصناديق عليهم، فهذا شغل الكسالى الذين يمنعهم الكسل عن التغيير سواء في أنفسهم أو في الآخرين، إن أحرى الناس بالبعد عن «القولبة» هم أصحاب الدعوات، ومن يحمل فكراً ورسالة للناس ينبغي أن لا يستعدي المجتمع وألا يقولب الجميع؛ لأنه إن فعل ذلك فلا معنى لصفته.

ما معنى أن يحمل دعوة أو رسالة دون أن يدرك في داخله أن هناك من ينتظرها؟، ما معنى أن يقول كلاماً لا يغير من خلاله ولا يصحح به ولا يضيف فيه إلى الناس لا يتلقاه ولا يتقبله أحد؟، الحدة بالحكم على الناس لا تصلح دوماً، هي مناط الحرب والعداوة تكون مجدية في مواجهة الأعداء.

أما التغيير في المجتمعات التي نحن فيها ومنها يحتاج إلى «الحكمة» و»الموعظة الحسنة» و»الجدال بالتي هي أحسن»، وليس بالصدام أو التنمر وما شابه، ينبغي التذكر دائماً إن كان الإيمان يزيد وينقص في الناس، فإن الشجاعة أيضاً والإقدام يزيدان وينقصان والأفكار تتأرجح وهكذا، وتلك الأمور من فطرة البشر يتفاوتون ويتمايزون، يصيبون ويخطئون، حتى وإن كانوا مؤمنين، فهم ليسوا ملائكة منزهين، ولا أنبياء معصومين، ومن هنا تزداد الحاجة إلى النصيحة، ومن يذكر الناس بالخير ويرشدهم إلى الحق ويحذرهم من الباطل. من العجيب أن بعض الناس يصدق بسهولة انحراف شخص أو خروجه عن المألوف، لكن لا يصدق بسهولة عودته حين يعود، وإن أخطأ أو تجاوز شخص عمموا الخطأ والتجاوز على كل تصرفاته وأفعاله فلا يقبلون منه صرفاً ولا عدلاً بعدها، وإن اجتهد ولم يوفق في رأي ظنوا به عدم التوفيق في كل شيء.

الناس تتغير وتتبدل أحوالها من حال إلى حال، وداخل البيت الواحد يكون تمايز كبير، حدثتنا الآيات والأحاديث والسير عن ابن نوح وامرأة العزيز، وعن أحد العمرين الذي أعز الله به الإسلام.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.