السبت 09 ربيع الثاني / 07 ديسمبر 2019
08:54 ص بتوقيت الدوحة

عندما يُتهم رئيس أميركي بالتمهيد لقتل جماعي

85
عندما يُتهم رئيس أميركي بالتمهيد لقتل جماعي
عندما يُتهم رئيس أميركي بالتمهيد لقتل جماعي
للمرّة الأولى ربما يشعر دونالد ترمب داخلياً بأن ثمة خطأ في أدائه، وإنْ لم يفصح عنه، لكن اضطراره للتنديد بالعنصرية وأيديولوجية تفوّق العِرق الأبيض كان انحناءً استثنائياً أمام الريح. فما إن وقعت مجزرتا إل باسو ودايتون حتى رأى الجميع، رأياً عاماً وسياسيين وإعلاماً، يلتفتون إليه كأنه متلبّس، وسرعان ما قيل وغُرِّد وكُتب أن مواقفه مهّدت الطريق إلى هذا القتل الجماعي. كانت تصريحاته المبكرة معادية للمهاجرين، أتبعها بعداء للمسلمين، ثم أخيراً بتحقير الملوّنين، ونُقل عنه تشبيه الأفارقة بالقرود خلال مكالمة مع الرئيس السابق ريتشارد نيكسون. لا يتردّد في قول ما يتبادر إلى ذهنه حتى لو اتُّهم بشحذ الكراهية. ولم يسبق أن قيل لرئيس أميركي أنه غير مرحَّب به، لكن هذا ما حصل بعد اعتزامه زيارة المدينتين مسرحَي الجريمتين.

القتل الجماعي ليس جديداً في الولايات المتحدة، وعُزي دائماً إلى سهولة اقتناء السلاح، وثمة قانون أقرّه مجلس النواب للتدقيق في هوية المشتري وسجلّه؛ فما الذي يبرّر مثلاً أن يكون مرتكب مجزرة لاس فيغاس (أكثر من 60 قتيلاً ونحو 500 مصاب) عام 2017 مزوّداً بعشر بنادق أوتوماتيكية واستطاع أن ينقلها إلى غرفته في الفندق ويفتح نافذته ليتصيّد ضحاياه بين المحتشدين في حفلة موسيقية؟! يومئذ قال ترمب إن هذا المجرم مجرّد مختلّ عقلياً، وحين واجه ضغوطاً لفرض قيود على التسلّح نبّهه مستشارون إلى أن «لوبي السلاح» أحد كبار ناخبيه، فاختار الغموض ولم يتخذ موقفاً قابلاً للتشريع. ولعلّ انحيازه إلى البيض ضد السود في التظاهرات المتواجهة في شارلوتسفيل جعله أخيراً يستشعر مكسباً من اعتماد العنصرية كإحدى ركائز استراتيجية حملته الانتخابية، لكنه أصبح الآن مجبراً على تغيير الأسطوانة، وحتى على النظر بجدّية إلى تقنين تداول السلاح.

اعتادت الدراسات أن تربط أيضاً هذه الجرائم بأسباب شخصية - اجتماعية، وحالياً يوجّه الكثير من اللوم لوسائل التواصل الاجتماعي وانفلات التخاطبات من أي ضوابط إنسانية وأخلاقية. ولأنها فردية عموماً، يصعُب تحديد تدابير عملية صارمة لاستباقها أو التقليل منها؛ لذلك بدا كأن هناك اعترافاً ضمنياً بأن المهم أن تبقى نسبة ما يحدث منها ضمن المُتوقَّع. لكن عندما تكون الدوافع سياسية - عنصرية وتدقّ نواقيس الخطر -كما هي اليوم- فإن مسؤولية القيادة السياسية تصبح على المحكّ.

أدّت المجزرتان إلى خروج الرئيس السابق باراك أوباما عن صمته ليتّهم «القادة» بـ «تهديد أسلوب حياتنا»؛ إذ يشوّهون الآخرين و»يعنون ضمنياً أن أميركا تنتمي إلى نوع واحد معيّن من البشر». لم يسمِّ ترمب، الذي ردّ بأن رئيساً سابقاً كجورج بوش الابن لم ينتقد خلفه أوباما لأن مجازر حدثت في عهده، ليشتعل بعدئذ الجدل مقارناً بين خطابَي ترمب وأوباما، ومن الواضح أن الأخير لم يكن مبرِّراً ولا منحازاً أو محرِّضاً.
غداة المجزرتين توفيت توني موريسون، الأميركية السوداء الوحيدة الحائزة على جائزة نوبل للآداب، والتي نقّبت رواياتها في تجربة السود الأميركيين وانتهت إلى «حلم» أن تتخطّى «الهوس بلون البشرة» لتكتب في ضوء القيم العالمية. لا شكّ أنها شعرت بأن ظاهرة ترمب لم توقف حلمها فحسب، بل أفسدت تلك القيم.

وقبيل صدور التغريدات العنصرية ضد السود، لفتت تحليلات كثيرة إلى أن ترمب يمكن أن يُهزم في الانتخابات إذا عرف الديمقراطيون كيف يستغلّون الثغرات الاجتماعية في سياسته. الفرصة متاحة لكن المتصدّين لمهمة ليسوا بمستواها.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.